..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


مرصد الثورة

مجزرة حماة: ذاكرة الألم

محمود عاشور

2 فبراير 2020 م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 590

مجزرة حماة: ذاكرة الألم

شـــــارك المادة

حماة مدينتي رأيتها بعد ربع قرن:
من أين ياعصماء أبدأ احرفي .
ألف البداية تستحي من ياكٍ
نيرون لو شهد الوقائع يومها .
لجثى أمامك خاشعا وبكاك ِ

هكذا بدأ شاعر تدمري قصيدته يرثي بها حماة وأهلها بعد أن وصلتنا الأخبار أن المدينة وأهلها قد استبيحت لمدة شهر من قبل العصابات الأسدية.
تدمير، سلب ونهب وسرقة، اغتصاب، اعتقالات، تشريد، هذا ماحل بمدينتي الجميلة، وهكذا تواردت الأخبار من المعتقلين الجدد القادمين الى تدمر، نعم أخبار يشيب لها الولدان عبر عن ذلك شاعرنا بقوله:
نيرون لو شهد الوقائع يومها ... لجثى أمامك خاشعا وبكاك
لكن ليس الرائي كمن سمع، رجعت إلى حماة الحبيبة بعد سجن دام ربع قرن لأشاهد وأرى وأسمع آثار الجريمة النكراء، أحياء قد أزيلت وبني بدلا منها فنادق ومراكز للدولة: (حي الكيلانية العريق-حي الزنبقي-حي العصيدة-حي البارودية، وأحياء أخرى) أكثر من ثمانين مسجدا قد دمر، أربع كنائس، اعتقل كل رجال المدينة، قتل واستشهد ما يقارب الأربعين ألفا، مفقودون لا يعلم عنهم أهلوهم شيئا، الآلاف زاروني وسألوني عن ذويهم لكن لا جواب.


تجولت في المدينة أتحسس أخبار إخواني أصدقائي جيراني، أصدقاء الطفولة والمدرسة، لكن لم أجد إلا القليل القليل، وكلما سألت عن أحدهم قالوا : استشهد، وهكذا..
أصدقائي في آخر عام دراسي ثالث ثانوي، كان العدد أربعين، بقي منهم أقل من عشرة، خمسة وعشرون استشهدوا، وعشرة هاجروا
ولم يبق في مدينتي إلا خمسة:
رحل الذين أحبهم وبقيت مثل السيف فردا
كم من أخ لي صالح بوًأته بيدي لحدا
ألبسته أثوابه وخلقت يوم خلقت جلدا
موقف محزن.


جلست أمام احد المحلات التجارية وأتى أحد الجيران جلس معنا وبدأنا نتحدث وعرفت أنه اخ لاحد أصدقائي تشجعت وسألته : (هل أخوك احمد ؟؟؟) وأنا لااعلم عن أحمد شيئاً، أجابني : (نعم أخي أحمد، من أنت ؟؟؟)
قلت : (أنا صديقه في الدراسة) وعندما عرفته عني عرفني و تذكرني، بدأ يتكلم ويبكي: أخي احمد قد أخرجه الجيش من بيتنا فاصر والدي ان يذهب معهم، وبعد أيام علمنا أن والدي واخي قد استشهدا.
بكينا معاً، أحمد هذا لطيف مجتهد هادئ بيته قريب من المدرسة، كنا ندرس معاً في بيته عاشر وحادي عشر وبكلوريا، كنت أحبه وبيننا ذكريات وذكريات، رحمه الله تعالى ورحم أباه ورحم الشهداء جميعا.
بدأت أسال: أين هشام وإبراهيم وعبد الحميد وبشار ووليد، أين الأحبة والأصدقاء ؟؟؟
قلت في نفسي:
ما للمنازل أصبحت لا أهلها أهلي ولا جيرانها جيرانا


آلاف القصص سأرويها وسأكتبها، هكذا استقبلتني مديني حزينة باكية، هكذا استقبلني عاصيها، هكذا استقبلتني نواعيرها تبكي وتئن حزينة، وزيادة في إجرامهم تركوا بعض الآثار والبيوت مهدمة لتكون مذكرة لمن قد تسوّل له نفسه بالخروج عن الطاعة والانقياد
لكن هذا لم يفيد.
لم تكن درسا مفزعا لأبناء مدينتي خاصة ولأهل سوريا عامة، بل كان ذلك محفزا لينطلقوا الانطلاقة المباركة الجديدة التي عمت كل سوريا وقدمت آلاف الشهداء.
كتبت في ذكرى مجزرة حماة الكبرى 2/2/2020

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع