..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


مقالات منوعة

رحماك يا رب بشامنا

أحمد خناق الستاتي

١٦ ٢٠١٣ م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 3558

رحماك يا رب بشامنا
على شام الهوى1.png

شـــــارك المادة

أهل دمشق الشام جارَ عليهم أهل هذا الزمان، فخلَّفهم بين شريد يَفِرُّ من ملجأ إلى مقصف، باحثًا عن سقفٍ متين لا تنفذُ إليه الأسلحة المضادة للدروع، وبين طريد سُدَّت في وجهه أبواب الرزق بعد أن صيَّرت القذائف متجرَه رُكامًا بعضه فوق بعض.

 


أهل الشام الكرام الذين فتحوا أبوابهم للغريب قبل القريب، ووفّروا من قوتِ أولادهم ما يسمك رَمق النازح ويحفظ ماء الطريد، واقتطعوا من بيوتهم ما يحفظ حياة الشريد في شتاء قارس.
أهل الشام يُجازون اليوم عقوقًا من إخوانهم، وجيرانهم، فتُغلَق في وجوههم أبواب البلاد، وتفرض عليهم العقوبات، لا على النظام، ويُحرمون مما كانوا يتصدَّقون به على الفقير والمحتاج.
في كل حارة من حارات الشام، وفي كل بيت من بيوتها أمٌّ يكاد ينخلِع قلبُها كلما خرج ولدها إلى عمله أو دراسته أو شأن من شؤونه، تَرمُقه بعينيها مُلقية عليه نظرة، تشُكُّ - لولا الإيمان - أنها الأخيرة، تضمُّه إلى صدرها، وتقول له: "دير بالك على حالك الله يرضى عليك يا بني"..
تشتهي أن تُخَبِّئه بين جفونها، لولا حاجةُ الإنسان إلى الخروج والعمل.
في كل بيت من بيوت الشام مُصابٌ جَلل.. ورب مُصاب أهون من مصاب.
فأم يتقطَّع قلبها حزنًا على ابنها الذي تَفديه برُوحها لتعلم أهو من الأحياء أم من الأموات؟
لتعلم، أي فرع إرهابي سلّه من قلبها؟
تَذرِف الدموع الغِزار، منادية ربّها في هجعات الأسحار أن ترى ولدها كلَّ يوم في الرؤيا على خير حال: ربَّاه، قد عَظُم المُصاب، وأنت وحدَك العالم بالحال، فردَّ إليَّ ولدي وجميع المعتقَلين إلى أمهاتهم يا الله.
وذاك أب حصَد بالأمس بابَ رزْقه برميلٌ متفجِّر، فغدا كأن لم يكن، ولولا لطفُ الله، لكان هو الآخر تحت الرُّكام، فتراكبت عليه الديوان، فهو يَذوق ذُلَّ الرجال صباح مساء، ينتوي أن يخرج في الغد ليبيع نفسه لعلّه يجد ما يحفظ رُوح أولاده من موت مُحتَّم، أو تشرُّد مُرتَقب!
أما شوارع الشام وحدائقها، فحدِّث عنها غيرَ متأثِّم أو متحرِّج، صُراخ وعويل، نساء وأطفال، قوم يَفترِشون التراب ويلتحِفون البردَ، هاربين بأرواحهم بعد أن رأوا الموت بأعينهم، يَمُر بهم العابر فلا يستطيع أن يحبس ماء عينيه لِما أصابهم، متذكِّرًا نعمة الله عليه أن قد احترق بيته في القصف لكنه ما زال صالحًا للسُّكنى، ولسان حاله: لك الحمد يا رب، لك الحمد يا رب.
رحماك يا رب رحماك!
شامُنا لن تستكين حتى تنال حرَّيتها، وأيقنتْ ألا ناصر لها سواك، فعجِّل نصرك يا رب العالمين.
 

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع