..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


الى الثورة

جماعة " كولن " التركية على خطى حزب "النور" المصري

مفكرة الإسلام

٢١ ٢٠١٣ م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 5322

 جماعة
الله كولن.jpg

شـــــارك المادة

انشغل الرأي العام الإقليمي والدولي في الشهور الماضية بالحدث الجلل الذي وقع في مصر، عندما قام العسكر بالتعاون مع بعض القوى السياسية القديمة والحديثة بالانقلاب على أول رئيس مدني منتخب انتخابا ديمقراطيا في 3 يوليو، وكان مشهد الانقلاب متجانسا إلى حد كبير مع فكرة الانتقام من ثورة 25 يناير.

 

فالمشهد شمل في مجموعه كل من يرتبط بعداء ما لثورة 25 أو لمآلاتها التي أتت بجماعة الإخوان للحكم.
عسكريون يريدون بقاء هيمنتهم السياسية والاقتصادية على البلاد. فلوليون يريدون إرجاع مجد دولة مبارك مرة أخرى، دينيون رسميون محسبون على دولة مبارك.
علمانيون وليبراليون فشلوا فشلا ذريعا في كل الاستحقاقات الانتخابية، ويبحثون عن ظروف استثنائية يعتلون ظهورها من أجل الوصول للسلطة.
إلى آخر المشهد الانقلابي، إلا إن الأمر المثير للدهشة فعلا كان ظهور حزب النور السلفي ذي المرجعية السلفية المحافظة والموصوفة بالتشدد، في مشهد الانقلاب، وخرق هذا الحزب الإسلامي لإجماع الأحزاب الإسلامية والوطنية التي رفضت هذا الانقلاب، واصطفت بجانب الشرعية.
ورغم المبررات الكثيرة التي ساقها قائد الحزب الأوحد "برهامي" في تبرير هذا المسلك الغريب، إلا إنه في النهاية كان موضع اتهامات وانتقادات كثيرة من جانب الإسلاميين في داخل مصر، وخارجها، وهي الانتقادات والاتهامات التي زادت قائد الحزب تمسكا برؤيته، واعتقاد عصمتها، فراح يبالغ في دفاعه عن الانقلاب وجرائمه، وهجومه على الاخوان وحلفائهم.
وعلى ما يبدو أن سيناريو حزب النور مع الرئيس مرسي والإخوان في مصر سوف يتكرر ولكن بتفاصيل مختلفة وفي بلد ظروفه أيضا مختلفة، ولكنه بلد يواجه نفس التحديدات التي واجهها الرئيس مرسي والاخوان في مصر، وأعني بذلك حكومة التنمية والعدالة في تركيا برئاسة الطيب أردوجان ورفاقه بعد أن أصبح في مرمى المؤامرات الأمريكية والإسرائيلية منذ نجاح الانقلاب العسكري في مصر في الاطاحة بجماعة الإخوان.
يوم الثلاثاء الماضي كان يوما مشهودا في تركيا، حيث قام جهاز الجريمة المالية باعتقال العشرات من رجال الأعمال المحسوبين على حزب العدالة والتنمية، من بينهم ابن وزير الداخلية وأبناء وزيرين آخرين، وكذلك رئيس بلدية مدينة الفاتح، مصطفى ديمير، وهو من أوائل مؤسسي حزب العدالة والتنمية، وذلك للتحقيق معهم في تهم فساد مالي وتلقي مبالغ مالية ضخمة في شكل رشوة.
غير أن تفاصيل الحادث كانت مثيرة لدرجة تدفع بقوة نحو نظرية المؤامرة الدولية وليست المحلية على حكومة أردوجان.
هذه القضية على الرغم من أهميتها وخطورتها إلا أنها تمت حتى خطواتها الأخيرة بلا علم رئيس الوزراء ولا وزير الداخلية، الذي هو رأس الجهاز التنفيذي الذي رتب للعملية وقام بها، ورغم أن أحد أبنائه سيعتقل ضمنها، بل أنه عرف بخبر القبض على ولده عبر وسائل الإعلام مثله مثل غيره!!.
فالتخطيط والتنفيذ تم دون الإذن المباشر من المحافظ، ومن رئيس جهاز الأمن، ومن القيادات المباشرة. رتب للقضية برمتها ونفذه ضباط صغار تصرفوا لوحدهم بالتنسيق فيما بينهم، وقامت بالاعتقالات والتحفظات مجموعات بلا تنسيق على مستوى القيادة وبأوامر رتب صغيرة.
حتى أن المجموعة التي نفذت اعتقالات في العاصمة أنقرة حضرت من اسطنبول، وهذا أمر غير مسموح به في تركيا.
وقد عرفت أجهزة الأمن في أنقرة بالأمر صدفة، و سبقت هذه الحملة بساعات استقالة احد نواب العدالة والتنمية القريب من جماعة كولن، وهجومه على أردوغان، وفي نفس اليوم أيضا تنشر وسائل اعلام ومواقع انترنت قريبة من جماعة  كولن إشاعات أنها تملك تسجيل فيديو لأحد الوزراء وهو يستلم رشوة.
ثم تنشر بعض مقاطع الفيديو ــ لم يتأكد من صحتها ــ تحوي فضائح أخلاقية لصحافيَيْن مقربَيْن من الحكومة. والأكثر من ذلك أن في نفس الأسبوع أثير موضوع بنك الشعب الحكومي، الذي كان الطريق الرئيسي للتجارة بين تركيا وإيران فترة الحظر على الأخيرة.
واتضح أن نواباً أمريكان كانوا قد جمعوا مؤخراً بالتعاون مع مؤسسة "آيباك" (أبرز مؤسسات اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة) توقيعات على عريضة تطالب كيري بإغلاق ومحاسبة تركيا والبنك المذكور، إضافة إلى أن هذا المصرف كان سيكون الطريق الرئيسة لتنفيذ اتفاقات النفط التي وقعتها تركيا مؤخراً (قبل أيام) مع شمال العراق.
هناك رؤية سائدة تقول أن البنك هو القضية الرئيسة في كل الحملة، وأن اعتقال أبناء الوزراء كان لجذب الأنظار عنها فقط، لأن اعتقالهم له وزن سياسي وسيحدث ضجة إعلامية.
أردوجان تحرك سريعا وقرر الإطاحة بكل القيادات الأمنية المتورطة في هذه القضية، بدء من رئيس شرطة إستنطبول الذي أخذ قرار المداهمة، وأعرب عن نيته إجراء تغيير وزاري كبير يستهدف به قطع الطريق لمن يريد أن يستغل الحادث لزعزعة حكم العدالة والتنمية في تركيا.
بعد أن أدرك أنه أمام محاولات دؤوبة ومتلاحقة للإطاحة به وبحزبه من المشهد السياسي التركي على غرار ما حدث في مصر، بعد أن تكشّفت أطراف المؤامرة ضده، ومن يتولى كبرها، ومن يدعمها، ومن يقف وراءها.
الصوت الأبرز في هذا الصدام الجديد كان صوتا مغايرا عن كل الأصوات المعروفة بعدائها التاريخي والأيديولوجي لأردوجان وجماعته.
وأعني به جماعة " فتح الله كولن " المعروفة في تركيا باسم جماعة "الخدمة" وهي أكبر فروع جماعة النور المتأثرة بالصوفية التي أسسها بديع الزمان سعيد النورسي، وتقوم على فكرة التركيز على الأعمال الخيرية من خلال إنشاء شبكة ضخمة من المؤسسات الاجتماعية والخدماتية في مجالات التعليم والصحة والاهتمام، وتهتم تحديدا بفئة الطلاب من خلال مئات المدارس والسكنات الطلابية داخل وخارج تركيا، في حين يعرف عنها تاريخيا زهدها في العمل السياسي، من خلال رفعها للشعار الشهير للشيخ بديع الزمان النورسي "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم والسياسة".
ولكن في مقابل هذا التخلي المعلن عن العمل السياسي، كانت الجماعة تسعى دائما للتغلغل في مؤسسات الدولة من جيش وشرطة وقضاء وأمن عام، مكتفية في الانتخابات بدعم مرشحين أو أحزاب معينة، بغض النظر عن اتجاهات الحزب أو أيديولوجيته، مما جعلها تصطف في غالب الأحيان بجانب الأحزاب العلمانية مثل حزبي الطريق القويم والوطن الأم اليمينيين وحزب اليسار الديمقراطي بقيادة بولند أجاويد، كما أنها لم تكن يوما على وفاق سياسي مع زعيم الحركة الإسلامية في تركيا الراحل نجم الدين أربكان الذي كان يرفض طريقة ومنهج فتح الله كولن، وكان يصفه بالبرجماتية الشديدة.

هذه البرجماتية دفعت الجماعة للتعاون غير المعلن مع حزب العدالة والتنمية عند توليه السلطة، فنشأ حلف غير معلن بين الحزب والجماعة، حصلت من خلاله الأخيرة على الكثير من الامتيازات، من نواب ووزراء وحرية عمل وانتشار في مقابل تصويت أعضاء الجماعة للحزب.
تبع ذلك دمج عدد كبير من أعضائها في الحزب، وترقية الكثيرين منهم في مختلف مؤسسات الدولة، خاصة جهاز الاستخبارات، غير أن شهر العسل لم يدم طويلا، ولأسباب كثيرة أبرزها: إدانة فتح الله كولن. المقيم في أمريكا منذ سنوات طويلة ــ لقرار طرد السفير الإسرائيلي من أنقرة على خلفية الاعتداء على سفينة "مرمرة" التركية المتجه إلى غزة، فقد صرح فتح الله كولن لصحيفة وال ستريت جنرال الأمريكية بأن الجانب التركي هو المخطئ لأن السفينة مرمرة لم تحصل على إذن إسرائيلي لدخول غزة، واصفا ذلك بالتعدي على الشرعية. ومنها أيضا، بل يعد أبرزها تعيين هاكان فيدان، الذي تصفه وسائل الإعلام بأنه رجل المهمات الصعبة، ورجل الظل وأكثر المقربين إلى أردوغان، على رأس جهاز الاستخبارات خلفا لسلفه الذي كان متهما بالتعاون مع الموساد الإسرائيلي، ولكن جماعة فتح الله كولن رفضت هاكان فيدان، ووظفت كل قوتها للإطاحة به،لأن هاكان وقف أمام محاولات جماعة كولن التغلغل أكثر فأكثر بجهاز المخابرات.
والعجيب أن جماعة كولن قد نسقت في حملاتها ضد هاكان مع أجهزة إعلامية موالية للصهاينة والأمريكان، والترويج بعلاقات هاكان مع الحرس الثوري الإيراني.
ومنها انتقاد فتح الله كولن لأردوجان في محاكمته للجنرال يلكر باشبوغ، والذي قضت المحكمة بسجنه انفراديا مدى الحياة بتهمة تزعم شبكة أرغينيكون السرية والتآمر ووضع خطط لإثارة الفوضى وللإطاحة بالحكومة التركية.
ومن الأسباب أيضا الدور الخفي التي لعبته جماعة كولن في تأجيج الاحتجاجات العنيفة في أحداث "تقسيم"، فقد كانت أحداث حديقة "جزي" في ميدان "تقسيم" القشة التي قصمت ظهر العلاقة المتوترة بين الحزب الحاكم والجماعة،فرغم عدم مشاركة الجماعة بأفرادها في الاحتجاجات إلا إن وسائل الإعلام المرتبطة بها انتقدت تعامل حكومة أردوجان مع الأزمة، ثم مالبت أن تكشفت حقائق عن تورط قيادات من الجماعة في الاتفاق مع حزبي المعارضة الرئيسين حزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية على إثارة أعمال شغب للنيل من شعبية الحزب الحاكم، ثم التحالف انتخابيا لإسقاطه في الانتخابات البلدية القادمة.
هذه الأحداث المتسارعة في تركيا اليوم وتحول جماعة كولن التي يفترض أنها جماعة إسلامية أو على الأقل ذات ميول إسلامية من محالفة أردوجان وحزبه ذي الميول الإسلامية أيضا، واتفاقهما في معظم المشارب، تحول هذه الجماعة من هذا المحالفة إلى معاداة صريحة، وحرب تكسير عظام مكتومة، ومسارعة الجماعة بالتنسيق مع القوى العلمانية الفجة والتي تعادي الطرفين اشد المعاداة ولكن لا تمانع مع التحالف مع إحداهما على الأخرى، للقضاء على الطرفين فيما بعد، يذكرنا بما اقدم عليه حزب النور السلفي المصري، فكلاهما سار على نفس الدرب من المحالفة ثم التحول عنها، ثم المحالفة مع الأحزاب المخالفة أيديولوجيا وحركيا، ثم الانقضاض في انقلاب عسكري كما حدث في مصر.
هذا الأمر يدفعنا للتساؤل: هل اتفقت الأفكار والرؤى عند جماعة كولن التركية مع حزب النور السلفي؟ أم أن المحرض واحد؟
جماعة كولن تحالفت مع حزب الشعب الجمهوري الوريث الشرعي للعلمانية الأتاتوركية، وحزب النور تحالف مع جبهة الانقاذ المشكلة من أحزاب علمانية وليبرالية شديدة العداء للفكرة الإسلامية.
فتح الله كولن مقيم في أمريكا منذ سنوات طويلة وعلاقاته بالغرب قوية، حزب النور قبيل تحالفه مع جبهة الانقاذ طاف قادته عدة دول أوروبية وعقدوا عدة اجتماعات في أمريكا مع شخصيات مريبة هناك.
جماعة كولن تذمرت من سياسات أردوجان الرامية لتعيين مقربين منه، وفي مصر اتهم حزب النور الرئيس مرسي بأخونة الدولة، وجعل ذلك من ضمن أهم مبررات الإنقلاب عليه.
فهل نرى في الأيام القادمة إعلانا رسميا من جماعة " كولن" بالانضمام للتحالف العلماني الشرس من أجل الإطاحة بأردوجان وحكومته؟ كما فعل حزب النور المصري من قبل؟
أم تدرك هذه الجماعة أن الإقدام على مثل الخطوة لن يعود إلا بالنفع على أمريكا وإسرائيل فقط، التي أثبتت الأيام أنهما أكبر المنتفعين من الإنقلاب العسكري المصري الذي كان حزب النور شريكا أساسيا فيه.
 

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع