..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


الى الثورة

الإنسان بين الخلق والأمر وحقائق محوريّة حول الثورة السوريّة

عبد المجيد البيانوني

١٨ ٢٠١٢ م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 3181

الإنسان بين الخلق والأمر وحقائق محوريّة حول الثورة السوريّة
1 مضاهرات.jpg

شـــــارك المادة

تضطرب نظرة بعض الباحثين وفهمه بين ما يكلّف به الإنسان شرعاً، وما يخرج عن إرادته وتكليفه ، وينتج عن ذلك سلبيّة تنسب إلى دين الله تعالى بغير حقّ، وهذا ما يقتضي تجلية هذا الأمر، الذي يتّصل بالعقيدة من جهة، كما يتّصل بموقف المكلّف وسلوكه من جهة أخرى..
يقول الله تعالى : « ألا له الخلق والأمر » فالخلق يمثّل الإرادة الكونيّة، والأمر يمثّل الإرادة الشرعيّة أوالتكليفيّة .. وكلا الإرادتين تعملان في حياة الإنسان جنباً إلى جنب .. ولكنّ التكليف ، والمسئوليّة والجزاء لا يتعلّقان إلاّ بالإرادة الشرعيّة ..

 


وفي العلاقة بين الإرادة الكونيّة والإرادة الشرعيّة هناك عدّة حقائق ينبغي تجليتها ، تمهيداً لما نريد الحديث عنه :
ـ الإرادة الكونيّة والإرادة الشرعيّة كلاهما من الابتلاء الذي هو الحكمة الكبرى للوجود الإنسانيّ، كما قال الله تعالى : « الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيّكم أحسن عملاً .. »، وقال سبحانه : « .. ونبلوكم بالشرّ والخير فتنة، وإلينا ترجعون ».
فالآية الأولى تحدّثت عن الإرادة الشرعيّة، وهي إرادة التكليف، والآية الثانية تحدّثت عن الإرادة الكونيّة، التي لا يد للإنسان فيها ..
ـ الإرادة الكونيّة منها ما يكون من قبيل الكوارث العامّة كالزلازل والبراكين والأعاصير والفيضانات ، والأوبئة العامّة .. ومنها ما يكون من عمل الإنسان كالحروب العامّة ، والفتن الداخليّة ، وكلا النوعين تترتّب عليهما إرادة شرعيّة يكلّف المسلم بها عبوديّة لله تعالى وطاعة .
ـ الإرادة الشرعيّة تطلق ويراد بها في الأصل الحكم التكليفيّ، أو التكليف الشرعيّ، الذي يشمل ما يعرف بالأحكام الخمسة، وهي: الوجوب والندب والإباحة والكراهة والتحريم .
وقد يراد بها ـ تجوزاً ـ سلوك المكلّف ، سواء أكان موافقاً للحكم الشرعيّ أم مخالفاً له ..
ـ إرادة الله الكونيّة واقعة لا محالة، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأمّا الإرادة الشرعيّة فهي تعود إلى إرادة العبد، وقد قضت حكمة الله تعالى أن يمنح العباد حرّيّة الاختيار لتتحقّق حكمة التكليف ، ولتقوم الحجّة عليهم ..
هذه حقائق شرعيّة مسلَّمة لا أعلم حولها خلافاً، وقد دلّت عليها نصوص الشريعة ، ومواقف سلف هذه الأمّة ، وما وقع من النوازل والمستجدّات ..
ومن أشهر ما جاء ذلك ما روي عن عمر -رضي الله عنه- أنّه « لما ذهب إلى الشام في زمن خلافته، وكان الطاعون قد وقع في الشام، ففي أثناء الطريق لقيه أبو عبيدة وأمراء الأجناد، فقال له بعضهم: يا أمير المؤمنين! إنّ الطاعون وقع في الشام فلا تدخل بأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على الطاعون فتعرّضهم للفناء والموت ، وبعضهم قال : ادخل ، ولا تفرّ من قدر الله ، فكان من عمر -رضي الله عنه- أن طلب المهاجرين فجاءوا واستشارهم ،
فانقسموا قسمين : بعضهم يقول : ادخل ، وبعضهم يقول : لا تدخل ، وارجع ، ثمّ طلب الأنصار واستشارهم ،
فانقسموا قسمين ، بعضهم يقول : ارجع ، وبعضهم يقول : لا ترجع ، ثم اجتهد ورأى أن يرجع وقال: إني مصبح على ظهر يعني: إذا أصبحت فسأركب بعيري وأرجع إلى المدينة، وكان أبو عبيدة -رضي الله عنه- من الذين يرون الدخول وعدم الرجوع، فقال له : أتفر من قدر الله يا أمير المؤمنين ؟!
فقال : لو غيرك قالها يا أبا عبيدة! نفر من قدر الله إلى قدر الله.
وكان عبد الرحمن بن عوف -رضي الله تعالى عنه- معهم ، ولكنه كان غائباً في حاجة، ولما رجع وعلم بالذي حصل قال: عندي علم فيها عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، قال عليه الصلاة والسلام : (إذا وقع الطاعون وأنتم في بلد فلا تخرجوا فراراً منه، وإذا وقع وأنتم لستم فيه فلا تدخلوا عليه) ، فبلغ ذلك عمر -رضي الله عنه- فسرّ ؛ لأن اجتهاده وقع مطابقاً لما ثبت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- » . انظر شرح سنن أبي داود للشيخ عبد المحسن العباد (16/ 99)
ويروى عن الإمام الربّانيّ الشيخ عبد القادر الجيلاني -رحمه الله- أنّه قال: « ليس الرجل الذي يُسلِّمُ للأقدار ـ أي: يَستسلّم لها ، ويقف سلبيّاً منها ـ وإنّما الرجلُ الذي يَدفَعُ الأقدارَ بالأقدارِ » .
وهذه قضيّة واضحة جدّاً إلى درجة البداهة ، فكلّ منّا لو نظر في حياته لوجد أنّه مضطرّ إلى ذلك ، فأنت في كلّ أمورك تدفع الأقدار بالأقدار وبصورة فطريّة ، تدفع قدر الجوع بقدر الأكل، وتدفع قدر العطش بقدر الشرب والري.. وبتعبير آخر تدفع أقدار الإرادة الكونيّة بأقدار الإرادة الشرعيّة، وتدفع قدر المرض بما أمرت به من اتّخاذ أسباب الشفاء.. وتدفع قدر الوحش المداهم بالدفاع عن النفس بما تستطيع من أسباب، وتدفع قدر السيل الجارف بالبعد عنه ، والتحصّن بملاذ آمن .. وهكذا .
وكذلك المعصية إذا وقعت تصبح قدراً ، فإنّك تدفعها بقدر آخر ، وهو الاستغفار والتوبة إلى الله تعالى ، وفعل الطاعات..
ولننظر في ثورات الربيع العربيّ ، التي هي حديث العالم اليوم من أدناه إلى أقصاه .. كيف بدأت؟
وما الموقف الحقّ منها .؟


لقد بدأت هذه الثورات كلّها بأسباب صغيرة لا يؤبه لها ، وحسب بعض الحكّام الطغاة أنّها عبث أطفال ، فقال عن المتظاهرين : « خلّيهم يلعبوا .! » ، وكان من الممكن أن تنتهي حيث بدأت ، كما انتهى غيرها من الاحتجاجات ..
ولكنّها هذه المرّة عمّت وانتشرت كما تنتشر النار في الهشيم ، وأصبح العامّة والخاصّة أمام واقع يواجهونه لا بدّ لهم من اتّخاذ موقف منه ..
فكيف كان ذلك .؟!
لقد بدأت بفعل صغير محدود، ولكنّ ردّة الفعل عليه من الأنظمة كانت من قبيل صبّ الزيت على النار ، فزادت النار اشتعالاً .. وكان ذلك بنسب متفاوتة بين بلد وآخر .. ثمّ آلت الأمور إلى ما آلت إليه ..
ولنأخذ سورية مثلاً ، فقد جمعت أطوار الثورات كلّها ، وهي حديث العالم اليوم .. لقد بدأت الثورة فيها بحركة من أطفال كتبوا على الجدران عبارة : «جاك الدور يا دكتور..» وكأنّ الله أنطق هؤلاء الأطفال.. فماذا كانت ردّة الفعل؟!
لقد كانت ردّة الفعل عنيفة عنفاً لا يخطر على بال أحد .! أمسك الأمن الأطفال ، وهم في المرحلة الابتدائيّة، وعذّبهم، وقلّع أظافرهم، وظهرت آثار التعذيب على أجسادهم الغضّة، وعندما طالب بهم آباؤهم كان الكلام الذي سمعوه، ينتهك شرفهم، ويذلّ كرامتهم.. فثارت الحميّة في أنفسهم، وخرجوا في مظاهرات سلميّة، يعبّرون فيها عن غضبهم..
وإلى هنا كان يمكن احتواء الأزمة، وإطفاء سَوْرة الغضب، ولكنّ المعالجة الحكيمة العاقلة كانت بإطلاق الرصاص الحيّ على المتظاهرين السلميّين الغاضبين ، فوقع عشرات القتلى .. واشتعل الغضب أكثر ، وامتدّ أواره شرق سوريّة وغربها ، ولم يعرف النظام سوى لغة القتل والاعتقال والتنكيل ، وطال الأمر الكبار والصغار ، والنساء والأطفال .. مع ذرّ الرماد في العيون بوعود إصلاح قادمة ..
وارتفع سقف المطالب الشعبيّة من الحرّيّة والكرامة إلى المطالبة بإسقاط النظام وإسقاط رأسه بالذات، بعدما عرف الشعب أنّ الأوامر بالقتل والسحق للمتظاهرين تأتي من رأس النظام مباشرة ، وأنّ دعاوى الإصلاح الموعود إن هي إلاّ أكاذيب ، تضاف إلى أكاذيبه ، التي ربّى الناس عليها منذ عقود ..


وسار الشعب في طريقه ، وسار النظام في طريقه : الشعب يخرج في مظاهرات سلميّة يطالب بالحرّيّة والكرامة ، والنظام يقتل المدنيّين السلميّين بلا هوادة ، ويعتقل وينكّل ، فيدفن الناس شهداءهم ، ويسعفون جرحاهم ، ويعودون إلى التظاهر في اليوم التالي ، متحدّين بطش النظام وإرهابه .. ويتكرّر المشهد كلّ يوم بلا كلل ولا ملل ، وتتّسع صورته ، ويمتدّ نطاقه ، ليشمل سورية من أدناها إلى أقصاها ..
كان هذا المشهد ، الذي هو « تسونامي » بشريّ بامتياز ، لم يُعهَد له من قبل مثيل ، إنّه يشبه في عمومه وانتشاره الكوارث الكونيّة ، التي لا يتحمّل أحد من البشر مسئوليّتها ، كما لا يستطيع ردّها ..
وقد كان كثير من العلماء والمفكّرين والسياسيّين لهم رأي آخر في بدايته، وهم لم يستشاروا من أحد ، ولم يكونوا يرونه إلاّ نوعاً من العبث الطفوليّ سرعان ما سينتهي كما انتهت أحداث الثمانينات المأساويّة ، فالنظام الذي يحكم دمويّ بامتياز، وقد خبروا الكثير من مآسيه وجرائمه ، على مدار خمسة عقود .. كما راهن النظام نفسه على اعتبار ما يقع أزمة سينتهي منها خلال أيّام ، ثمّ مدّد الزمن إلى أسابيع ، ثمّ أسابيع ..
وكذّب الواقع كلّ هذه التوقّعات والظنون، وتحوّل ما يحدث هنا وهناك إلى ثورة شعبيّة عارمة، يمتدّ نطاقها ويتّسع، وتكسب كلّ يوم أرضاً جديدة ، ينحسر عنها النظام ، وتتراخى قبضته .. الشعب مُصرّ على مطالبه ، والنظام مُصرّ على القتل والتدمير..
ومع تطوّر الأمور إلى هذه الصورة المأساويّة ، التي لا يماري فيها عاقل ، فما الموقف الحقّ من هذا المشهد؟!
أمام هذا المشهد تثور أسئلة واقعيّة مهما بدا بعضها لبعض الناس غريباً أوسخيفاً ، ولكنّنا لا بدّ لنا من طرحها لتجلية الموقف الحقّ :
ـ أيملك أحد من الناس أن يقول للناس : « ارجعوا إلى بيوتكم » ، فيستجيب الناس له؟!
بل هل تستطيع أيّة قوّة في الدنيا ذلك .؟! وإنّه من العبث كلّ العبث أن يقال للناس ذلك ، بعدما أريقت تلك الدماء ، وقدّمت هذه الفاتورة الضخمة من التضحيات .
ـ هل يمكن لعاقل أن يصدّق النظام في دعاوى الإصلاح ، وهو يقتل الأبرياء ، ويسفك الدماء .؟!
ـ ألم تتّضح الصورة لكلّ ذي عقل ولبّ أنّ هناك ظالماً ومظلوماً ، ومُعتدِياً ومُعتدَىً عليه .؟!

ثمّ ألم تتّضح الصورة أيضاً أنّ الشعب محقّ في مطالبه ، وأنّ هذا النظام قد تكشّفت خباياه وعوراته ، وافتضحت أكاذيبه .؟!
ـ هل يمكن لعاقل بعد كلّ ما حدث ـ وبخاصّة إذا كان في موقع القدوة والريادة ـ أن يقف موقفاً سلبيّاً من هذا المشهد الدمويّ المذهل .؟! ويبقى مُصرّاً على موقفه الأوّل .!
ـ هل يمكن لعاقل أن يرفع صوته باللوم على الشعب ، ويقول له : أنت البادئ المتسبّب ، فلا تلم إلاّ نفسك .؟!
ويسكت على الظالم ، أو يجهر بمدحه وتمجيده ، وهو يقتل الأبرياء ، ويسفك الدماء .؟!
أفلا يعلم هذا الفقيه المفتون برئيسه المجرم أنّ القاعدة الفقهيّة التي يَعلمها ، ويُعلّمها للناس أنّه إذا اجتمع المتسبّب بالفعل ، والفاعل المباشر فإنّ الفعل ينسب إلى المباشر ، ويتحمّل مسئوليّته الجنائيّة كاملة .؟!
ـ هل يمكن لعاقل أن يصدّق النظام أنّ ما يجري إنّما هو مؤامرة خارجيّة ، تقودها عصابات مسلّحة .؟! وكيف يستسيغ قبول هذه التهمة على هذا الشعب الأبيّ .؟! وهل يعقل أن يتحوّل أكثر الشعب إلى عصابات مسلّحة .؟!
إنّ الإجابة عن هذه الأسئلة أصبحت بعد مضيّ عشرين شهراً على هذه الثورة واضحة كلّ الوضوح ، بمنطق الدين والعقل ، والفطرة والبداهة ، والواقع الذي يقدّم آلاف الحجج والأدلّة ..
وهاكم جملة حقائق هادية ، أختم بها هذه المقالة ، لعلّها تنير الفكر وتصحّح الرؤية ، وتسدّد الموقف ، لأولئك المجافين لهذه الثورة العظيمةالمباركة :
ـ أمام الكوارث الطبيعيّة ، والنوازل السماويّة ، والتسونامي البشريّ ، قد يعذر الإنسان إذا أراد النجاة بنفسه ، ولم يتقدّم لإنقاذ أو إسعاف أحد من الضحايا ، أو لزم بيته ، ولاذ بصمته ، ولكن هل يعذر شرعاً إذا أظهر الشماتة بمن نزل بهم البلاء ، لأنّهم لم يقفوا موقفه .؟
وهل يعذر شرعاً إذا ظهر منه ما يمالئ المجرم الظالم ، ولا يأخذ بيد الظلوم .؟!
ـ هل يسع أيّ طالب علم أو عاقل بعد كلّ ما جرى أن يراهن على أنّ هذا المجرم الظالم يريد الإصلاح ، وتاريخ نظامه الفاشيّ النازيّ يعجّ بالجرائم والمجازر .؟!
وما الميزان الشرعيّ الذي يحتكم إليه هؤلاء ، وقد جهلته الكثرة الكاثرة من طلاّب العلم المخالفين .؟!
ـ يبني بعض الناس رفضهم لهذه الثورة على أنّ ما جرى في العراق من مآس بعد الاحتلال الأمريكيّ سيجري في سورية ، وأنّ أكثر الناس هناك يتحسّرون على صدّام ونظامه .. وهذه مقارنة عجيبة ، وقياس مع الفوارق الكبيرة ، وهو إذا وقف عند حدّ التخوّف فلا حرج ، أمّا أن يبنى عليه موقف وسلوك فأنا أعتبر الأمر لا يعدو أن يكون هروباً من الواقع ، وما يفرضه على كلّ عاقل من التزام شرعيّ ووطنيّ وأخلاقيّ ..
لقد بان الصبح لذي عينين .. وتوضيح الواضحات من أعقد المشكلات ..
ـ لقد خيّمت على فكر بعض طلاّب العلم أحداث الثمانينات ، وسلبيّاتها وآثارها ، فأسقطوا من حسابهم الدعويّ أيّ فكرة تتّصل بمقاومة الظالم ، ومقارعة الباطل ، ولو بكلمة حقّ ، عند سلطان جائر ..
والفرق بعيد بعيد بين أحداث الثمانينات ، وثورة الحريّة والكرامة اليوم .. وأهمّ الفروق بين الثورتين :
ـ أنّ الأولى بدأت مسلّحة ، وهذه بدأت سلميّة ، ولولا أنّ النظام دفع الناس دفعاً إلى حمل السلاح بقتله لهم في الشوارع ، واستعمال أقسى أنواع البطش والتنكيل .. لما حملوا السلاح ، وبقيت سلميّة ..
  ـ أنّ أحداث الثمانينات كانت قاصرة على فئة من الناس ، وثورة اليوم تعمّ كلّ فئات الشعب ..
ـ أنّ عامّة الشعب منذ أحداث الثمانينات ، وإلى ثورة الناس اليوم قد ذاق من الظلم والذلّ ، والإهانة والقهر ، والتخلّف بكلّ صوره وأشكاله ما لا مزيد عليه .. ممّا جعل الواقع النفسيّ والاجتماعيّ محتقناً غاية الاحتقان ، ومهيّئاً بعد كلّ هذا الضغط للانفجار .. وإذا أراد الله أمراً هيّأ أسبابه .. ومن لا يملك شيئاً لا يخسر شيئاً ..
ـ في كلّ يوم في سورية متغيّرات ومستجدّات ، ووقائع ونوازل ، تقتضي الفتوى ، وبيان حكم الله فيها ، ثمّ إعادة النظر فيما استجدّ منها .. ولا يعقل مع تلك المتغيّرات والمستجدّات أن يتّخذ المفتي موقفاً واحداً ممّا يجري ، لا يتغيّر ولا يتبدّل .؟ وهل يمكن أن تكون الرؤية اليوم ، كما هي منذ أوّل الثورة .؟!
إنّ من الطبيعيّ والمسلَّم به أنّ المفتي والقاضي ينظر في الواقعة التي تعرض عليه ، وفق الأدلّة والإثباتات التي ترفق بها ، أو القرائن التي تحفّها ، ويعيد النظر فيها كلّما عرض عليه مثيلها ، فربّما طرأ على مثيلها شيء ، أو جدّ فهم يدعو إلى تغيّر الموقف ، وتغيّر الحكم ..
وقد روي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ الله عَنْهُ أَعْطَى الإخْوَةَ لأُمٍّ الثُّلُثَ ، وَحَرَمَ الإِخْوَةَ الأَشِقَّاءَ ، ثُمَّ وَقَعَتْ وَاقِعَةٌ أُخْرَى فَأَرَادَ أَنْ يَحْكُمَ بِمِثْل ذَلِكَ ، فَقَال لَهُ بَعْضُ الأَشِقَّاءِ: هَبْ أَنَّ أَبَانَا كَانَ حِمَاراً ، أَوْ حَجَراً مُلْقًى فِي الْيَمِّ أَلَيْسَتْ أُمُّنَا وَاحِدَةً؟ فَشَرَكَ بَيْنَهُمْ فِي الثُّلُثِ، فَقِيل لَهُ: إنَّك قَضَيْت فِي عَامٍ أَوَّلَ بِخِلَافِ هَذَا، فَقَال: « تِلْكَ عَلَى مَا قَضَيْنَا ، وَهَذِهِ عَلَى مَا نَقْضِي » .
فعلى الذين يتّهمون العلماء بالتناقض في مواقفهم أن يفقهوا هذه الحقيقة الشرعيّة المسلَّم بها، فالمفتي والقاضي كلاهما يجتهد ويتحرّى موافقة شرع الله في اجتهاده، ويضع مرضاة ربّه نصب عينيه..
وعلى العلماء الذين يثبّتون مواقفهم وأحكامهم ثبات الأجرام السماويّة، وكأنّها من ثوابت الشريعة القطعيّة أن يعيدوا النظر فيها، فالدنيا تتغيّر، والمستجدّات تفتح آفاقاً للفكر والفهم لا عهد للناس بها، وليس لمفتٍ أو قاضٍ أن يفرض على الناس الانسحاب من الواقع، والعيش في الماضي، كما أنّه ليس لهما أن يتحرّجا من إعلان رأي أو حكم سبق لهما القول بخلافه..
اللهمّ فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة، اهدنا لما اختلف فيه من الحقّ بإذنك، إنّك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ..

 

المصدر: رابطة العلماء السوريين

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع