..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


الى الثورة

كيف تُصبح زعيماً في أربعة أيام!

فداء السيد

٦ ٢٠١٢ م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 3491

كيف تُصبح زعيماً في أربعة أيام!
16.jpg

شـــــارك المادة

في سورية وحدها دونا عن كل بلاد الله الواسعة يمكن أن تجد بين كل زقاق وحارة ثلاثة قادة، وعشرة حكام، وألف مدير، وإمبراطور واحد، ومثلهم في العدد مشاريع حكام وقادة، ليس بينهم من قد تُسول له نفسه أن يسمح لغيره أن يقوده أو من قد يفكر ولو للحظة أن الأمة قد تحتاج مثلاً لقائد واحد فقط، أو مؤسسة قيادة واحدة – لا سمح الله– وجيش من المنفذين والعمال والبناة حملة شعار (أي بني أنت اليوم أفضل مني).

 

نعم هذا ما يتناقله الناس اليوم وربما هذا ما يدور على لسان كثير من أرباب معارضتنا الحبيبة – ممن خانهم الحظ فليس لهم منصب أو جاه – ليصيح أحدهم: لا خير في هؤلاء – يقصد أعضاء المجلس الوطني السوري – كلهم يحبون المناصب، ويسعون لها، ويموتون في سبيلها، ولا يستغلون خبرات الناس مشيراً نحو صدره ضاحكاً ملئ شدقيه، مزهواً بشخصه العجيب، رافعاً رأسه كأنه يضربنا منية، سألته بعدها: أبو فلان، سمعتُ أن هناك أماكن شاغرة في المجلس الوطني، وأن على الراغبين تسجيل أسماؤهم أو التواصل مع فلان ثم سكتُ. قال لي: والله؟ ثم أردف قائلاً: معك رقم تلفونه أخي؟ والله لا يجوز أن نترك هذه المؤسسات تُهمل هكذا وعلينا كُلنا أن نسدد ونقارب، وهم يبقون إخواننا في الطريق الطويل نحو الحرية والكرامة – ولذعني بموعظة تجلجلت لها متاهات نفسي الضعيفة -  ثم أخرج موبايله الموديرن وسجل الرقم المطلوب، ودعني بابتسامة وذهب لحال سبيله، ومن ذلك الحين لم أسمع منه جديداً غير التصفيق.
هذه الإزدواجية في التفكير عند كثير من أبناء الوطن الواحد – خاصة أرباب الثقافة والفكر في سوريا-  هي التي جعلتنا ننحني طويلاً لنظام يُصبّحنا كل يوم بأغنية (يا غالي يا ابن الغالي يا حبيب الملايين ... يلي جبينك عالي ما بيعلى فوقو جبين)، ويُمسّينا بأغنية (معك للأبد يا بشار الأسد) فأصابت عقولنا أمراض الديسك والصدأ المختلفة، وصرنا بحاجة ماسة لعملية جراحية تُغير مفهوم العمل الوطني، لقد وصلت المواصيل بمثقف امتنع عن ذكر اسمه لأسباب كثيرة، أن قال قولته التي هزت فيَّ ما تبقى من حبي لهذا الوطن، قال وهو في غاية الإنزعاج مما يراه من الإنشقاقات في صفوف المعارضة وتشتت الرأي وتبعثر الكلمة: نحن شعب لا يمكن أن يصلح حالنا عن طريق الديمقراطية والحرية، إن بشار الأسد يُعتبر الدواء الناجع للشعب السوري فبدونه سيبقى متناحراً متخلفاً. انتهى كلامه وانتهت معه جميع وصائل المودة التي كنت أكنها له، فلست أفهم كيف تصل بنا نظريات الانحناء الفكري لهذه الدرجة العجيبة من نزع الذات – لا جلد الذات – بان تتمنى لشعبك الذي قدم هذه التضحيات أن يعود لسيرته الأولى! لا أخفيكم أنّ هذه الكلمات أوقفتني هنيهة أفكر في حال مثقفينا الذين ينقسمون من وجهة نظري لثلاث فئات: فئة تقتات على التواطؤ، وفئة تقتات على المواقف، وفئة تقتات على الفئتين السابقتين – صدقوني لست بمتحامل – ولكنني أُحس اليوم أننا بحاجة لفئة رابعة أصبحت من الندرة إن فكرت في افتتاح متحف يحفظ لهم وجودهم وهيبتهم المُغيبة. بتنا يا سادة ننتظر مهديهم لنقدسه ونحمله على الأكتاف الهرئة عله يُصلح ما أفسدته العقول المنحنية. الفئة الرابعة التي أعنيها: هي تلكم الفئة المخلصة التي تحرص على استمرار القافلة – رغم أنهم صكوا أسماعنا بهذه القافلة التي صارت حلالاً زلالاً لكل قطاع الطرق – واستكمال البنيان الذي كان مرصوصاً، أولئك الذين لا يقتاتون من دماء الشهداء ولحوم الأطفال ما يرفعهم عند الناس درجة، ولا يزيد فوق مناصبهم الوهمية منصباً جديداً.
ويسأل الثائر المسكين لماذا تتعثر معارضتنا؟ كلما مشت للأمام خطوتين كمشية ديك رومي متبختر تراجعت سبع خطوات للوراء؟ لماذا أشعر بأنها مهزوزة هرمة؟ وهل نستطيع فعلاً أن نتوحد؟ أقسم أن هذه الأسئلة لو قُدمت لي في امتحان جامعي لوقعت على الحال ورقة رسوبي ثلاثاً، فما رأيته وأراه من البعض من تخاذل وتقاعس عن أداء الواجب وحب شديد للرياسة والزعامة والقيادة مع كثير من العجب والأنا، ووضع العوائق في وجه أي مشروع وطني ولو شابته بعض الشوائب، وفقه الكلام والفلسفة بعيداً عن الواقع والعمل، ليس هذا فحسب بل وصل الأمر ببعض الناس أن قضى أياماً وشهوراً يمير ويكيد لهذه المشاريع لأنه ما استطاع أن يحتمل رؤية – آخرين- يفعلون ما لم يتقن فعله. وعندما تراني على هذه الحال فاعلم أني وربي لا أقصد التعميم ولا أحب من يفعل ذلك، ولكن غلب الأمر فصار ظاهرة يتكلم عنها الجميع، حتى وصل الأمر بوزيرة خارجية الولايات المتحدة أن تطالب أولاً بتوحد المعارضة وفق مشروع جامع، ثم الحديث عن استحقاقات أخرى، وأذكر أنني لقيت مجموعة من الدبلوماسيين في السويد وبينما كنت أحاول أن آخذ منهم وعوداً بتقديم ما يمكن تقديمه للثورة السورية، همس أحدهم في أُذني قائلاً: يا صديقي ما لم تتوحدوا أولا فلن يُجدي حديثك العاطفي هذا. انتهى الكلام الرومانسي ما عاد يجدي نفعا، ولا حتى مئات المقالات المدبجة.
ونعود مرة أخرى لنقرأ الواقع على طريقة المواطن المكلوم: لنصل لنتيجة حتمية وهي أن في عقل كل واحد منا شيطان الزعامة هذا والذي يُلح علينا جميعا بأن نأخذ فرصتنا – (أنا خير منه) -  والذي يُخيّل لكل واحد منا أن أي مشروع وطني – مهما كان صغيراً -  لن ينجح أو يُكتب له التوفيق إلا إن كنتَ وكنتَ على رأس الهرم، ولست أدري كم سيحتمل خوفو وأخويه من الرؤوس قبل أن يسقطوا مغشياً عليهم.
لكننا جميعا وبعد هذا النقد الحاد سنعود في كل ليلة لنتابع حصاد الجزيرة متقوقعين حول شاشة التلفاز نبكي على حال وطننا المسلوب، وكل واحد منا سيُقسم على نفسه أنه خلاص لن تسول له نفسه إلا أن يكون جندياً مجهولاً لأجل الله والوطن[1] ، وتغار العيون من هذه اللحظات الرائعة، فتفرز الدموع الموالح، وتنتهي اللحظة الفارقة، ويستيقظ شيطان الزعامة ليوسوس من جديد فتستيقظ معه خلايا الأنا في أمخاخنا ويعود الحفر والكيد، أو الانشقاق والانعتاق. 
وأنا كذلك سأضع قلمي هنا حيث لا نهاية كما هي العادة، لأكمل قراءة الكتاب المفيد: كيف تصبح قائداً ناجحاً ومبدعاً لديل كارنجي. والسلام.
.....................
[1] الصحيح أن يقول: لأجل الله ثم الوطن، فيعطف بحرف العطف ثم لأن العطف بها يفيد الترتيب، أما العطف بالواو ففيد التشريك، وهذا لا يجوز. (نور سوريا)

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع