..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


الى الثورة

نصرة الثورة السورية.. بيد العرب لو أرادوا!!

ليلى بيومي

١ ٢٠١٢ م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 3132

نصرة الثورة السورية.. بيد العرب لو أرادوا!!
الدول العربية.jpg

شـــــارك المادة

بعد مرور أكثر من عام على انتفاضة الشعب السوري وثورته التاريخية الكبرى التي اندلعت، مواكبة للربيع العربي، في 15/ مارس/ 2011م، بدأت الأمور تتضح بشكل كبير، حيث تمايزت الأطراف وأفصح كل عن وجهه، وأدرك الجميع أنها ثورة من أصعب الثورات التي عرفها العصر الحديث، فالشعب الثائر يقف وحيدًا محرومًا من السلاح، في مواجهة ديكتاتور مستبد دموي.. يشعر بالسعادة كلما ارتوى من دم شعبه.

 


وإذا كان التاريخ القديم يتذكر "نيرون" الذي أحرق روما وجلس يغني على أطلالها، فإن ما يفعله المجرم بشار فاق ما فعله "نيرون"، فذاك الروماني ربما انتابته لوثة عقلية.. أما هذا السوري فيقتل الأطفال والشيوخ والنساء ويهدم البيوت على رؤوس الأسر ويحوّل المدن والقرى إلى خرائب، ثم يسير في موكب من وزرائه ومستشاريه ومساعديه وقادته العسكريين، لكي يتفقد الدمار والخراب ولكي ينتشي بمنظر جثث القتلى، ولكي يعلنها واضحة لمستشاري السوء: هذا الخراب لا يكفيني.. أريد المزيد والمزيد.
إنها إرادة الله، أن يدفع هؤلاء الأبرياء السوريون أرواحهم الطاهرة في هذا الموقف الذي يثير ضيق وغيظ وحنق كل صاحب ضمير وكل صاحب نخوة. لقد اعتقد الثوار في سوريا أن إخوانهم العرب لن يتركوهم، فبعد أن يحمي الوطيس وتشتد المعارك ويزيد عدد القتلى، سيتدخل العرب لوقف المجازر ولتحقيق أمنية الشعب السوري في الحرية والعدالة والمساواة والكرامة.
ولكن غاب عن الثوار السوريين أن هذا ليس زمن الرجولة، إنه زمن آخر، حيث يتخذ فيه القادة الأمريكان والغربيون القرار نيابة عن العرب، وحيث الجامعة العربية العليلة حاصل جمع علل عديدة بعدد كل دولة عربية على حدة. وقد فعلت الجامعة العليلة ما تستطيع، لأن غالبية قادتها لا تهمهم إلا كراسيهم ولا يرغبون في إيقاف المجرم عن إجرامه، فهم يكرهون اليوم الذي اندلعت فيه الثورات العربية. وبالتالي فإن إلقاء اللوم على الأمين العام للجامعة العربية خطأ فادح، فالقادة العرب يخاطبونه قائلين: إن أنت إلا موظف لدينا تفعل ما نريد، ولا مجال لك لاتخاذ أي قرار لا نرضى عنه، واعرف حجمك جيدًا، وقد قال بعض العرب مثل ذلك لسلفه.
الدم السوري الطاهر الذي يسيل أنهارًا يهز ضمائر العالم، ولكنه عالم قاس ليس له قلب، إنه عالم المصالح المادية والعلاقات التجارية والصفقات العسكرية. القادة الغربيون يحاولون النوم فلا يستطيعون من شدة تأنيب الضمير، فيغطون وجوههم بالوسائد ويضعون أصابعهم في آذانهم، كما يقول الحق- تبارك وتعالى -: {وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا}[نوح: 7]. وتكون النتيجة هي التفاعل الجزئي من الأزمة الكبرى عن طريق الموافقة على وساطة كوفي عنان الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة.
الولايات المتحدة والدول الأوروبية لا يريدون دعم الثورة السورية كما دعموا الثورة الليبية، لأن سوريا ليس فيها النفط الليبي الذي يسيل له لعاب الغرب. ولأن بقاء نظام المجرم بشار يريح إسرائيل تمامًا لأنه وأبوه لم يطلقا طلقة واحدة عليها، وإسرائيل تفرح تمامًا بأن يدير خصمها الحرب ضدها فقط من خلف ميكروفونات الإذاعات وكاميرات الفضائيات، والغرب يريد ما تريد ربيبته إسرائيل. ولأن الغرب لن يجلس لكي يرى ويتمتع بنجاح الثورات العربية ثورة بعد أخرى، وهو يعلم أن هذه الثورات معناها أن الشعوب العربية ستتحرر إراداتها وأن قراراتها ستتخذ في عواصمها العربية لصالح أبنائها العرب ولن تتخذ في العواصم الأوروبية وواشنطن.
والحل الوحيد الذي يراه الغرب هو اللعب بالكلمات والتصريحات والدعوة إلى الحل السلمي ونبذ العنف من جميع الأطراف، وإدانة الأفعال العسكرية والجرائم.. ليس أكثر. والحجة جاهزة: إننا فعلنا كل ما نستطيع من أجل وقف العنف، ولو سلحنا المعارضة السورية ستحدث مجازر، ونحن نخاف على الدم السوري.
وهذه حجج واهية، فالقوم إذا خلصت نواياهم فإن في أيديهم الكثير الذي يمكنهم أن يفعلوه، حتى لو كان فعلاً غير عسكري، ولو أحست روسيا منهم الصدق في النوايا والقوة في الضغط، فإنها سوف تغير موقفها، فالموقف الروسي ليس عقائديًا ولا مبدئيًا وإنما هو موقف يدافع عن مصالحه، ولو عوّض الغرب روسيا عما ستفقده جراء إنهاء دعمها للنظام السوري ستغير موقفها فورًا، وكذلك الصين.
الموقف الأمريكي الغربي أصبح متناغمًا مع الموقف الروسي، فإذا كانت روسيا والصين قد استخدمتا حق النقض في مجلس الأمن الدولي ضد مشروعي قرار ينددان بالقمع الذي يمارسه النظام السوري ضد المعارضة والذي أوقع أكثر من عشرة آلاف قتيل منذ بدء الاحتجاجات الشعبية قبل عام بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، فإنه بمجرد أن مارست الدول الغربية ضغوطًا نسبية، صوتت موسكو وبكين على بيان رئاسي في مجلس الأمن يدعم وساطة كوفي عنان ويطالب دمشق بتقديم اقتراحاتها للتسوية في أسرع وقت.. وهو ما حدث مؤخرًا وجعل دمشق ترد بالإيجاب على خطة كوفي عنان ذات الست نقاط.
فالرئيس الأمريكي باراك أوباما يبدي تأييده لتقديم "مساعدة غير عسكرية" للمعارضة السورية، ويتفق ورئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان على ضرورة إرسال مساعدات "غير عسكرية" إلى المعارضة السورية، وعبرت واشنطن عدة مرات عن معارضتها تسليم أسلحة للمعارضين السوريين.
ونحن نقول: إننا نتمنى أن تكلل مهمة كوفي عنان بالنجاح، خاصة بعد أن قبلها نظام المجرم بشار، فخطة عنان المكونة من ست نقاط ترمي إلى إنهاء سفك الدماء في سوريا، وتدعو إلى وقف القتال تحت رقابة الأمم المتحدة، وتدعو إلى انسحاب القوات الحكومية من المدن التي تكثر فيها المعارضة، وتدعو إلى تحسين سبل وصول المساعدات الإنسانية، لكن نجاح الخطة يعتمد على طريقة تنفيذها، لأن لدينا محاولة سابقة لوقف العنف شارك فيها مراقبون تابعون للجامعة العربية فشلت لأن النظام السوري تعاون معها ظاهريًا ولكنه عمد في الواقع على إفشالها، وهو يمكن أن يكرر الأمر نفسه مع مهمة عنان.
لذلك؛ فلن ينجح عنان إلا إذا تم دعمه دعمًا كاملاً وأمينًا في السر والعلن وليس أمام الميكروفونات والكاميرات فقط من الدول الغربية ومن روسيا، وقبل ذلك كله من الدول العربية التي يجب أن تعلم أن بيدها الكثير والكثير لنصرة الثورة السورية التي لم تفعله بعد، وأن عليها أن تتحلى بالصبر والنفس الطويل، شريطة أن تأخذ موقفًا قويًا وواضحًا ومبدئيًا من إزاحة المجرم البعثي.
نعلم مسبقًا أن القمة العربية في بغداد ستبحث الموضوع السوري كبند أساسي في إطار القرارات التي صدرت من المجلس الوزاري لجامعة الدول العربية، ولكنها لن تناقش تنحي المجرم بشار، وهذا ما قاله الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل العربي، لكن هل يستشعر القادة العرب مسئولياتهم في هذه القمة؟ وهل يحرك مشاعرهم دماء عشرة آلاف شهيد سوري يخاصمون هؤلاء الحكام العرب أمام الله يوم القيامة؟.
إن وزراء الخارجية العرب بمجرد أن دعوا وزير الخارجية الروسي إلى اجتماعاتهم في القاهرة، فسمع منهم وأحس بهم، حدث تغير جزئي في موقفه، هذا التغير يمكن أن نلمسه في الانتقاد الذي وجهه الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، عبد اللطيف الزياني، إلى تصريحات أدلى بها وزير خارجية روسيا، سيرغي لافروف، حول الأزمة السورية، معتبرًا أنها غير موفقة، ولا تنسجم وروحية الاتفاق الذي تم التوصل إليه في القاهرة بين موسكو والجامعة العربية من خمس نقاط ويشكل أرضية معقولة للتحرك الدبلوماسي.
تصريحات سيرغي لافروف التي أثارت استياء واستغراب الزياني هي قوله عن إغلاق دول مجلس التعاون الخليجي لسفاراتها في دمشق بأنه يعود إلى "أسباب غير مفهومة". أمين العام لمجلس التعاون الخليجي يرى أن هناك شبه إجماع عالمي على إدانة الجرائم التي يقترفها النظام السوري في حق شعبه، وأن العالم أجمع شهد أن جوهر الأحداث الأليمة في سوريا هو إرادة وطنية للشعب السوري لإقامة نظام سياسي ديمقراطي يحترم حقوق الإنسان، ويكفل المساواة بين المواطنين السوريين كافة، بما يتنافى تمامًا مع وضعها في إطار طائفي، وبما لا يتفق على الإطلاق مع التحذير من حكم مقبل لأحد مكونات الشعب السوري على حساب مكوناته الأخرى.
لكن يبدو أن الزياني نسي أن تغييرًا مهمًا في الموقف الروسي يتطلب جهدًا دبلوماسيًا عربيًا كبيرًا، وعلى وجه الخصوص من الدول الخليجية التي يمكنها تعويض روسيا عن علاقاتها الاقتصادية مع سوريا، فبالمفاوضات المستمرة والضغط العربي الفردي والجماعي سوف يتغير الموقف الروسي تدريجيًا. أما بذل جهد محدود، كما رأينا مع الوزير الروسي، ثم تركه بدون تنميته والإضافة إليه، فإن النتيجة ستكون أن يقول لافروف لإذاعة "كومرسنت" الروسية: "إن هناك مخاوف من قيام عدد من الدول بالمنطقة بممارسة ضغوط من أجل إقامة نظام حكم سني في سوريا في حال سقوط النظام الحالي".
لو خرجت القمة العربية المنعقدة في بغداد بمقررات قوية وبموقف قوي وموحد من الأطراف التي تدعم النظام السوري المجرم في جرائمه ضد الشعب السوري، فإننا سنرى حتمًا تغيرًا في الموقف الروسي، وإذا كان الرئيس الروسي يحذر (في موقف إعلامي ليس أكثر) من أن خطة مبعوث الأمم المتحدة والجامعة العربية إلى سوريا كوفي عنان تشكل الفرصة الأخيرة لتجنب حرب أهلية في سوريا، وأنه لهذا يقدم دعمًا كاملاً لعنان، وإذا كانت موسكو تنتقد ما تسميه "التأخير الكبير" من الرئيس السوري في تطبيق الإصلاحات وتحذر دمشق من مخاطر تصعيد الأزمة إذا لم يصغ النظام السوري لنصائحها، وإذا كان مصدر في الكرملين يتحدث عن "موقف الأسد الصعب"، فإن الموقف العربي القوي، والتحرك الدبلوماسي العربي، والحديث العربي الصريح عن تقديم البدائل لروسيا، بل والضغط العربي على الولايات المتحدة وعلى الأطراف الفاعلة في أوروبا، كل ذلك سيجعل التصريحات الإعلامية تلتصق مع الواقع وتتحرك على الأقل في اتجاه وقف المذبحة وإرغام النظام المجرم على خطة للتغيير السلمي، تحفظ الدماء أولاً، وتوقف آلة القتل والتدمير ثانيًا، وتجعل مستقبل الشعب السوري في يده ثالثًا، يقرر ما يشاء، وينتخب ما يشاء، تحت حراسة ورعاية ورقابة دولية، تمنع التزوير والتلاعب.
وقبل أن يحدث ذلك، لا بدّ من استمرار الصمود، ولا بدّ أن تستمر جذوة الثورة مشتعلة، ورغم الظلام الحالك إلا أن بصيص النور بدأ يظهر في تزايد الانشقاقات في الجيش النظامي، وإذا تسارعت الوتيرة فسيصبح الأمر خطرًا حقيقيًا يعجل بنهاية المجرم، وبدأ الأمل يظهر في توحيد العمل العسكري المعارض، لتوفير أكبر حماية ممكنة للثوار ومدنهم وأحيائهم وقراهم، كما حدث مؤخرًا في الإعلان عن إنشاء مجلس عسكري يهدف إلى توحيد قوى المعارضة المسلحة ويرسم الاستراتيجيات العامة للجيش الحر، تحت رئاسة العميد مصطفى الشيخ والعقيد رياض الأسعد.

المصدر: موقع الإسلام اليوم 

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع