..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


مرصد الثورة

في ‏مدينة حلب العريقة‏ " فرصة ذهبية "

محمد ياسر الطباع‏

22 نوفمبر 2014 م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 5058

في ‏مدينة حلب العريقة‏
حلب00.jpg

شـــــارك المادة

اتصلت بصديق لي قبيل أسابيع من وقت إجازتي القصيرة وسألته، ما أخبار حلب؟" خٓرْجْ زورها؟ واقضي كم يوم مع الشباب في المشفى؟"
قال:"الأوضاع جوّاً غير مريحة، الاقتتال الداخلي في ازدياد والأمور فوضوية، لا أنصحك بذلك"
فحدثت نفسي: خير إن شاء الله، عملت اللي علي،" يا جامع بابك مسكّر وأنا مستريح!"

 

وصلت إلى اسطنبول... التقيت صدفة في اجتماع مع شاب هادئ ذكرتني ابتسامته الدافئة على الفور بالوقت الذي التقيت به منذ أكثر من عامين... أخذني بالأحضان وسألني عن أخباري... أجبته إجابة مكرورة روتينية، ثم قلت: وأنت ماذا تفعل هذه الأيام؟
قال: وصلت منذ قليل من حلب، وسأعود إليها بعد يومين...
سألته: أليست الأوضاع خطيرة؟ سمعت أن هناك خطر حصار للمدينة؟
أجابني: نعم، لو تقدم الجيش السوري كيلومتراً واحداً لطوق المدينة وقطع مدخلها المتبقي الوحيد!
فقلت: وستعود رغم ذلك؟
- نعم
- وزوجتك وأولادك، أين هم؟
- في (...)، حصلنا على جنسيتها منذ سنوات عديدة، هم يعيشون هناك الآن، كنت عندهم لمدة أسبوعين وعدت إلى حلب منذ أيام.

-" لم لا تزورنا وندخل سوية؟"
صمتت للحظات وترددت، ثم سألته:" هل لزيارتي فائدة؟" - بالمناسبة أنا أخصائي تقويم أسنان ولست جراحاً -
قال: نعم، بلا شك... سيسعد الشباب بزيارتك
تحمست وقلت في نفسي، هل مازال يمكن إحداث فرق في سوريا؟... لا أدري...
ولكن أتتني دعوة صادقة... ولن أفوتها!

اتصلت بصديق مطّلع..." ماذا تنصح؟ هل الوضع آمن؟ قال أعطني دقائق وأرد لك الخبر"
بعد عشر دقائق أتاني اتصال من رقم لم أعرفه،" السلام عليكم دكتور، معك أبو(...) ومعي الدكتور (...) ونحن في الطريق إلى حلب بعد أن عبرنا الحدود، سمعنا أنك ستزورنا، متى إن شاء الله؟"
- سألحقكم بعد يومين بإذن الله...
- أهلاً وسهلاً بك، بالسلامة حكيم...
ثم ضاع الصوت بين ضعف الإشارة وضجيج الطريق...

كان المتصل الدكتور (...) مدير مشفى م١ في حلب ومعه الدكتور (...) من مؤسسي المجلس الطبي في المدينة بعد أن عاد حديثاً من جولة في عدة ولايات أمريكية لإلقاء الضوء على مستجدات الأوضاع الطبية في حلب.
- عاد من فنادق أمريكا إلى مشافي حلب... -

كان صوتهما واثقاً، سعيداً، وهادئاً...
ليس صوت رجلين يسيرا بملء إرادتهما إلى مدينة تعتبر الأخطر في العالم... ليعملا في أكبر مشافيها التي باتت تخاف الكتائب من جيرتها لكثرة استهدافها!
كان صوت طبيبين عالمين بأهمية جهادهم، واثقين بنصر الله، مؤمنين بقضائه، متوكلين عليه...
كان صوت صنف من الرجال الذين أعلم أن رفقتهم مكسب، ومجالستهم مدرسة، والتعلم منهم فرصة لا يمكن تضييعها...

زيارة حلب الصامدة فرصة لا تفوت، كما هي زيارة أي مدينة حرة في سوريا.

ولكن... على زائر أرض سوريا التواضع...
على زائرها اغتنام الفرصة ليشحن إيمانه من جديد... ويجدد من عزيمته... وكيف لا يفعل ذلك وهو يرى الأطفال يلعبون في الأزقة التي زاد ضيقها من الركام...
ويرى النساء تمشي بهدوء في فضاء تزاحم عليه الضجيج والغبار والدخان... لم يرضين الهرب... ولم يقبلن بلقب نازحات أو لاجئات...
بقي في حلب المحررة ثلاثمائة ألف نسمة بعد أن كانت أكثر من مليونين منذ عام!

قال لي صديقي الذي شجعني على الدخول ونحن نسير بالسيارة في شوارع ضيقة تحفها واجهات المباني المهدمة ويتزاحم فيها الرجال والركام" كيف نترك كل هذه المدينة لهم؟ هل هذا يعقل؟ لن نفعل ذلك... هذه أرضنا ومدينتنا... وستبقى كذلك"

حلب مدينة عظيمة تحتضن الرجال... وتلهم بصمودها الأبطال... ويلتجيء بدفئها وحنانها مئات الآلاف من الأطفال...

لا تتناسوا حلب...
لا تتخلوا عنها...
لا تتجاهلوا صمود أبطالها...
لا تخذلوا أطباءها...
لا تبخلوا بوقتكم ومالكم عليها...

مشافي حلب باتت تتأهب لحصار وشيك... وأخذ معظم أطبائها قرار البقاء.
ما زالوا صامدين... عمل مستمر لا تقتطعه إلا لحظات هادئة لصلاة الجماعة... وسهرات سامرة سعيدة صادقة...
مشافي حلب تضم خيرة الرجال الأطهار... إيمانهم راسخ... ونورهم يضيء ويشع ويلمس كل من يقاربه...

أدعو أصحاب القلوب الحائرة المتعبة مثل قلبي إلى زيارتها، أو حتى التواصل مع أبطالها...

لن أبقى بها طويلاً، مجرد يومين أو ثلاثة... وأعود بعدها إلى عملي الهادئ في عيادتي الصغيرة الباردة!
عملي الأكثر أماناً لجسدي... ولكنه الأكثر خطورة على قلبي...
لعلي لم أصل إلى مرحلة أستحق بها شرف الرباط...
لعلي أحاول التلصص على ملحمة جهاد نادرة...
لعل الله يقبل مني لحظات صدق لا تضيعها كلماتي المتطفلة...

لم أكتب هذه المقالة لأقول للناس إنني الآن في حلب، وأحاول الزهو بذلك...
كتبتها لأقول لهم... أيامنا ستمضي... وأموالنا ستنفق... وأرواحنا ستذبل بطيئاً ثم تطير فجأة...
ولكن أرض سوريا باقية... وأطفالها سيكبرون... وتاريخها ماضٍ... ومستقبلها قادم...

فلنحرص على أن يكرمنا الله باستخدامنا لا استبدالنا.

 

 

من صفحة الكاتب على فيسبوك

اقرأ ايضاً

المصادر:

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع