رسالة إلى البوطي: بعد مرور عام على الثورة السورية المباركة

الكاتب : محمد الطيب بن سعيد كوكي
التاريخ : ٢٥ ٢٠١٢ م

المشاهدات : 2479


رسالة إلى البوطي: بعد مرور عام على الثورة السورية المباركة

بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين

الحمد لله، والصلاة والسلام على نبيه ومصطفاه، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه...
وبعد أن انقضى عام على الثورة السورية، حمل معه آلاماً عظيمة وهموماً جسيمة، أود أن أتوجه إلى الشيخ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي دون خروج عن حدود الأدب، ودون تجاوز لقدر العلم، وما أقصد من خطابي هذا -بإذن الله- إلا وجه الله –تعالى-.


فأبدأ مستعيناً بالله - تعالى -:
1- نحن قد فتحنا عيوننا والناس تنظر وتتابع دروسك وخطبك ومؤلفاتك، وكلنا يعرف أنك رجل عقلاني تحاكم الأمور، وعندك من سبل الإقناع ووسائل الحوار ما ليس عند غيرك، فأسألك بالله أن تخرج علينا بسبل الإقناع وطرق الحوار التي تقنعنا من خلالها بموقفك من النظام حتى نقتنع بموقفك.
2- لماذا يا دكتور لا تقبل لقاء المشايخ الثقات الكبار؟! لماذا لا تقابلهم؟ ألا تتمنى أن تحقن الدماء ونتهي المشكلة؟ لماذا لا تجتمع بالعلماء الكبار الثقات وتقنعهم برأيك فيخرجوا جميعاً من عندك بوجهة نظر يتبنونها ويتبناها جميع الناس؟ فلعلك ترى ما لا نرى وتعرف مالا نعرف وتدرك مالا ندرك وتفهم مالا نفهم.
3- لماذا يا دكتور لا تخرج لنا كتاباً في علم السياسة الحديثة وخصوصاً السياسة السورية ووجهات النظر الشرعية التي بنيت عليها موقفك؟ فنحن من خلال رؤيتنا للأوضاع والإجراءات التي تتخذها السلطة السورية نرى ما تعجز عقولنا عن فهم الوجهة النظر الشرعية لديك فيها ونحن بحاجة ماسة لمؤلف مثلك يبين لنا وجهة النظر الشرعية فيما يقوم به النظام، إنك إذ ذاك توضح لابساً وتبين غامضاً من أمور السياسة السورية ووجهة النظر الشرعية فيها.
فإذا قلت: لا يوجد وجهة نظر شرعية، فكيف تمشي من غير وجهة نظر شرعية؟
وإذا قلت: لا علم لي بالسياسة، فكيف تتكلم بما لا علم لك به؟
وإذا قلت: أنا أعلم ولا أريد أن أكتب، فكيف تكتم علماً عن المسلمين وهم في ظرف حرج؟
وإذا قلت: يوجد كتب في السياسة الشرعية فاقرؤوها، فإنني أقول لك: لا يوجد ولا كتاب واحد في السياسة السورية ووجهة النظر الشرعية الموافقة لها.. وأنت من أهل العلم ولا يجوز لك أن تتكلم إلا بالعلم، وأنت قلت أموراً كثيرة لم تقل لنا دليلك عليها والمسلمون لا يقبلون إزاء هذه الأزمة أن تتكلم إلا وتبين الدليل الشرعي على كلامك حتى نتبعك على هدى ونور.
4- وإذا كانت وجهة نظرك تشابه الأمور بين هذه الحقبة وحقبة الثمانينات؛ فاسأل الخبراء المخلصين ممن درسوا دراسات عليا في العلوم السياسية من الإسلاميين -وما أكثرهم- وليس عيباً أن تشاور الخبراء - غير من ينتمي إلى النظام - لتسمع وجهة النظر الأخرى فالأمر يستحق المشورة.
5- بعد أن طلبت منك أحد هذه الأمور الأربعة أود أن أنوه إلى أمر وهو أنك قد تكون على خطأ في موقفك هذا، فاحذر وانتبه من أن تكون ممن قال الله - تعالى - فيهم: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً * الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً}.
6- أرجو من جميع الناس أن يعلموا أن العالم الذي يقع في الخطأ في الأمور العامة لا يغفر له جهله وهو العالم، ولا طيبة قلبه والناس تقتل بأبشع الطرق، ولا التلبيس عليه والاستيضاح سهل، فانا خوفاً من تبيين خطأ المخطئين من العلماء والتواني عن نصحهم أو معرفة وجهة نظرهم حتى نعذرهم وربما نقف في صفهم أو نثنيهم لأن القضية ليست قضيتهم وحدهم بل القضية قضية أمة.
7- أقول للذين يقولون: إن الشيخ معروف بتاريخه العلمي وماضيه الدعوي، فهل تنسف له كل ذلك؟ فأجيب: إن القضية في سوريا قضية دماء.. دماء يا عالم يا ناس دمااااااااااااء.. فأين أنتم من قوله - تعالى -: {من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً}، أين أنتم من قتل الأطفال الأبرياء واغتصاب النساء وانتهاك الحرمات وهدم المساجد والكفر فيها وتحدي الله - عز وجل - في جنباتها وتعذيب الناس واقتلاع حناجرهم؟ أم أنكم إذا لم تصابوا بشيء من شرور الأمن فمن الممكن أن يكون هنالك وجهة نظر؟ وجهة نظر؟! وجهة نظر يا عالم؟! أي وجهة نظر وأي طيبة قلب.. إنها سذاجة الذين يقولون إن الأمور ستكون أسوأ إذا سقط النظام وسنفقد الأمن والحريات الدينية! وليت الذي يتكلم عن الأمن والحريات الدينية علم وقرأ ما هو الأمن وما هي الحريات الدينية!!!
إنني أسألك يا دكتور: هل أنت نبي لا تخطئ؟ أم ملك لا تتكلم إلا بوحي وأمر من الله - تعالى-؟ أليس من الممكن أن تكون على خطأ؟ ألست تشرع للنظام سفك الدماء إذا كنت مخطئاً؟ أليس أمراً عظيماً أن تلقى الله - تعالى - وبرقبتك دماء لكثيرين من المسلمين؟ وإذا لقيت هذه الدماء يوم القيامة برقبتك هل سيكون جوابك أمام حضرة الحق (لم أكن أعلم) وبجوارك العلماء الصادقون الذين لو استنصحتهم لنصحوك، ولو سألتهم لأجابوك ولو جالستهم لجالسوك، ولو أقنعتهم لوافقوك!
كيف تلقى نبيك محمداً - صلى الله عليه وسلم - وهو الذي أجلى قبيلة يهودية من أجل كشف عورة امرأة وأنت ترى اغتصاب النساء الشريفات المسلمات كل يوم؟ أم اصدقني القول وقل لي: إنك لا ترى.. فتلك لعمر الله قاصمة الظهر!
كيف تلقى العلماء الذين وقفوا مواقف الحق أمام السلاطين؟ والله إن قيمة كل كتبك لا تعادل موقفاً تقفه لله - تعالى -!
وإذا قلت لي كما قلت لي مرة (ما بيطلع بإيدي شي) عندما اتصلت بك من أجل مشكلة بين أحد طلابي وبين النظام، فافهم يا دكتور أن النظام يستعملك بمكر، فلم لا تكون على مستوى مكر النظام بك وبأمثالك؟ أم أنك نسيت آخر سنتين قبل بدء الثورة والحرب المعلنة عليك وعلى الإسلام من النظام؟ أم أنك ستقول لي لم يكن هنالك ثمة حرب؟ أم أنك ستقول لي لم يكن الرئيس على علم؟
ختاماً أقول لك: لا تخف على هذه الحياة فأنت إلى الآخرة أقرب، وتخيل وقوفك بين يدي (الملك)،  ولتعلم أن الإنسان الذي يخطئ ويجرم ثم يقول: (والله ما كنت عرفان وما كنت دريان)، فإن جهله لا يعذره وهو الجاهل، فكيف بك وأنت العالم؟
وإذا كانت تصلك الأخبار بوجهة نظر معينة فاسمع من ناس ثقات، واتخذ لك ثلة صادقة، وليكن لك بطانة صالحة من إخوانك العلماء..
اللهم إنني قد كتبت هذه السطور وبذلت جهدي أن أكون أخلصت فيها النية لله - تعالى - فاقبلها اللهم ووفقنا جميعاً لما فيه رضاك، وردنا جميعاً على جادة الصواب.
لو كنت مكانك يا فضيلة الدكتور لجفاني الرقاد ولما استطعت أن أنام والناس تذبح والدماء تجري والأعراض تهتك وأنا راض فكيف تنام أنت؟

والسلام عليكم،،،
التوقيع: محمد الطيب بن سعيد كوكي. 

 

المصادر: