الثورة بين الواقع والتطبيق

الكاتب : يامن الناصر
التاريخ : ١٦ ٢٠١٦ م

المشاهدات : 2051


الثورة بين الواقع والتطبيق

بعد طول سهر أزعجتني تلك المحطة اللاسلكية وهي تكرر تحذيراتها عند الصباح من أسراب الطيران المتعدد الجنسيات الحائم فوق مدينتي، قررت أن أتجاهل يومي وأقنع نفسي بأنني أمارس حياتي الطبيعية، وحاولت نسيان الحرب ومفرداتها. أخذت قهوتي وجريدة الصباح وجلست بشرفة منزل مطل على مشهد واسع من أرياف إدلب، فجبل الأربعين هو كحلم أي ثائر وثبات أي مقاتل وعالٍ كهمةٍ الجدات، وتعرجاته رسمت على جبين جيل التنسيقيات الأول عداد السنين.

بينما أقلب الصفحات أغمضت عيني عن تراجيديا الانتخابات الأمريكية ومررت عليه مسرعاً إذْ لا جدوى من وقت أضيعه في انتظار النتائج أكثر مما ضاع. سرعان ما تسلل الملل لداخلي لرغبتي بالهروب من الواقع ولقناعتي بفشل توجيه فكري فتركت الخيال يدخل دونما استئذان، وبدأت أخط ما يجول بخاطري بعد أن أزكمت أنفي رائحة البارود.

لقد حفلت الشهور الماضية بمحطات متسارعة كأنها تختزل حال ثورتنا من إحكامٍ للطوق حول حلب، إلى ملحمة حلب الكبرى، وكسر الطوق حولها ثم إعادة احتلال المناطق المحررة، فظهور الجولاني وإعلان فك ارتباط النصرة وتأسيس فتح الشام، ثم الإعلان عن محاولة اندماج الفصائل وسط تكثيف إعلامي وضغط على الفصائل، والخروج من داريا وتسليمها لعصابة الأسد وإكمال مسلسل التغيير الديموغرافي فيها بحجة وجود مقامات لآل البيت، وانسحاب عدد من مقاتلي الوعر وهي بحكم الساقطة عسكريا.

والآن مدينتا قدسيا والهامة اللتين يقطنهما نصف مليون، وبعدها مدينة التل التي يقطنها مليون ونيف؛ يُعاد تكرار ذات السيناريو، ثم إعلان الهدنة التي تزامنت مع تقدم عمليات درع الفرات بعد قرار تركيا الجريء بدخول المعركة بقواتها على الأرض، ثم ما تلى ذلك من سيل فتاوى المشايخ والعلماء المفترضين بين موافق ومخالف. أضف إلى ذلك ظهور بوادر تسييس الفتوى وإغفال التجارب السابقة وتكرار الأخطاء عينها.

هذا السرد السريع وإن كان يحوي اختزالا لبعض الأحداث إلا أنه يضعنا أمام حقائق لابد من مواجهتها، منها أن المكونات الثورية بالرغم من امتلاكها مقومات وعناصر لإحداث تغييرات إيجابية في المعادلة القائمة إلا أنها وصلت لمرحلة هضم الذات والتحطيم الداخلي على كل المستويات العسكرية والسياسية والشرعية الدينية. والنظام -الآن- يمر بمرحلة اختبار لإمكانية إعادة إنتاجه دولياً من قبل روسيا وأمريكا على أقل تقدير. يشهد لهذا عدة أمور، منها ما تسرب عن تعطيل البيت الابيض لقرار الكونجرس والهدنة التي تم إجبار الجميع عليها رغم عدم إمكانية استمرارها كما هو معلوم سلفاً.

يُخيل لك مظهر عجز الإرادة واستلابها وكأننا بتنا نقر نحن قبل العدو بعدم امتلاكنا مشروعا سياسيا أو حتى قيادة مستقلة تمثلنا. فترى حال التشرذم والفرقة المسؤول عنه بشكل مباشر قيادات الجماعات لا الدول الحليفة ولا المنظومة الدولية أو الداعمة، وحري بنا أن تُزال مثل تلك القيادة وأن يكون هذا من أولى أولوياتنا.

ولا تزال الأمة تنتظر قيادة جديدة وحركة جادة تحوي مقومات البقاء بمعزل عن الدعم الخارجي المتردد وتضم قيادات كفوءة على مستوى المهمة التاريخية التي ينبغي أن تضطلع بها.

ما لم يتم ذلك، ستتحول سوريا إلى مكان لتصفية الحسابات بين القوى العالمية الكبرى، ومع كل يوم يتحول الصدام من كونه بين شعب مظلوم وحاكم ظالم إلى صراع إقليمي ومن ثم عالمي، وحده الله يعلم نهاياته. إني أرى سورية قد خرجت من يد أهلها لتكون ساحة حرب للدول المركزية.

وما تشهده سورية اليوم ليس حرباً أهلية، كما أنها لم تعد مسألة تغيير نظام، ولا مسألة ديموقراطية وحريات، بل حرب بين القوى الأطلسية والقوى الآسيوية.ومهما كبر حجم التنظيمات المتقاتلة في سوريا، فإنها تخضع الآن لمنطق المصالح وتقاطعاتها بين القوى الخارجية. الشعب السوري لن يكون لفترة طويلة حاكماً لنفسه، ستدير سورية اطرافٌ أخرى بمآلات قد تنتهي بالتقسيم. سوريا لن تعود إلى ما كانت عليه إلا بعد وقت طويل، أو قد لا تعود.

فسورية الآن عقدة الشرق الأوسط ومربط الفرس وبوابة التغيير وبابٌ إذا كُسر لن يُسّد بعدُ إلى ما شاء الله، وبحلّها سيتفكك الشرق الأوسط. أعتقد هذه هي خطة الفوضى منذ عام 2011م.

إعادة تشكيل الشرق الأوسط هو السبب الحقيقي وراء تغيير نظام الأسد ومن قبله غزو أفغانستان وإسقاط حكومة العراق بشخص الرئيس العراقي صدام حسين، وما تلك اللافتات التي أُعلنت لها إلا ذرائع. وسورية هي آخر حلقات إعادة التشكيل.

إن المعركة ليست مع التنظيمات المحلية بل مع قوى الاحتلال الكبرى وفي مقدمها الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية.أردت ارتشاف قهوتي، لكنها -كما في كلّ مرة- ودّعت سخونتها من حرارة الموقف وبرودة تعاطي الحلفاء مع الاستحقاقات القادمة. نسيت قهوتي وجريدتي التي لا تزال تعيد مرارا وتكرارا ذكر أعداد الشهداء. لملمتُ بضاعتي وعدت أدراجي أبحث عن مشكاة نورٍ أنسل منه حروفاً لتدوينتي الأولى على منبر الجزيرة الحر ليرى العالم حالنا، فنحن طُلاب حق وحرية وعدالة ودون ذاك خرط القتاد.

‏جرائم الطغاة في الشام لن تثني شعبها عن طلب الحرية وإسقاط النظام. فالشعب عرف طريقه واتخذ قراره.

 

 

الجزيرة نت

المصادر: