إلى حملة العلم الشرعي من السوريين في الخارج

الكاتب : عبد المنعم زين الدين
التاريخ : ٢ ٢٠١٥ م

المشاهدات : 6225


إلى حملة العلم الشرعي من السوريين في الخارج

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: أما بعد:
فقد شرّفكم الله سبحانه بحمل أمانة العلم التي هي وسامٌ يناله أهل العلم، ثم زاد من فضله عليكم حين هداكم للوقوف مع أهل الحقّ في ثورتهم ضد الطاغية وأعوانه، وأنجاكم من منزلق النفاق الذي زلّت فيه أقدام آخرين من أدعياء حملة هذا العلم.
ونتيجةً لمواقفكم المشرّفة في بداية الثورة، فقد تعرّض كثيرٌ منكم للتهديد والوعيد، بل وربما لاقى من أنواع التعذيب والإيذاء وربما الاعتقال من قبل قوات النظام، ما اضطره لمغادرة سورية إلى البلاد المجاورة، وربما إلى بلادٍ غير مجاورة، خاصة في بدايات الثورة حيث كانت المناطق المحررة قليلة يصعب الوصول إليها في كثيرٍ من الأحيان دون علم النظام وزبانيته وملاحقتهم لأقرباء من يفعل ذلك.

أمّا الآن وقد منَّ الله علينا بتحرير مساحاتٍ واسعة من بقاع سورية، لا بد وأن نعيد النظر في إقامتنا خارج البلاد، في ظل حاجة المجاهدين الماسّة لأهل العلم، خاصةً من لهم مواقف مشرّفة في الثورة، ولهم عند الناس ثقة ومصداقية، حيث تكثرُ المجالات التي تنتظر أهل العلم ليسدّوا ثغرها، إن كان في الدعوة بين الفصائل أو الإصلاح بين المتخاصمين منهم، أو العمل في المحاكم الشرعية وضبطها وتطويرها، أو ترشيد سلوك الناس وتزويدهم بالفتاوى عند كل ملمّة، إلى غير ذلك من مهام أهل العلم.
لذا فإنني أوجه دعوة لكل أهل العلم، للعودة إلى بلدهم، وتقديم الخير المأمول منهم في هذه الأوقات العصيبة، التي راح الجهل يضرب أطنابه فيها في كثير من المناطق، وأورث أمراضاً عدة من الغلو والفساد وغيرهما، وهي والله نصيحة أخٍ محبٍ لا يبغي المزاودة عليكم، ويعلم أن ما قدّمه من جهودٍ هي أقل الواجب، بل وأن هناك كثيراً من أهل العلم في الداخل -ممن لم يسمع بهم الناس- قدّموا أضعاف أضعاف ما قدّم ولا زالوا يقدّمون، فمنهم من قدّم الجهد والوقت، ومنهم من قدم الديار والمال، ومنهم من فقد الأهل والولد، ومنهم من قدم تضحياتٍ في المعارك أورثته جراحاً أو شهادة في سبيل الله.
الله الله يا مشايخنا وعلماءنا وأساتذتنا وإخواننا من طلاب العلم، الله الله في أهلكم وبلدكم، فهم بحاجة لكم، خاصة في هذه الأوقات التي زادت فيها هجمة العدوّ المحتلّ، بعد أن استعان بروسيا وإيران، وأقبل بخيله ورجله يريد إطفاء شعلة الجهاد التي يأبى الله إلا أن يتمَّها ولو كره الكافرون.
لكنْ ولأن البعض من هؤلاء الدعاة والعلماء السوريين في الخارج قد التزموا نمطاً من الحياة جعل انتقالهم للداخل أمراً مؤجلاً وصعباً على النفس لأسباب عدّة، فإننا نُهيب بهم أن ينتقلوا للمرحلة الأقلّ في البذل الدعوي والعلمي، ألا وهي تكثيف الزيارات للداخل السوري، واللقاء بكل شرائح الثورة من قادة فصائل وقضاة محاكم وشرعيي فصائل، وأن تكون لهم جولات في معسكرات المجاهدين، بل وجولات أهمّ على المراكز الدعوية وتجمعات طلاب العلم ومعاهدهم، لتقديم المعونة والمؤازرة والرأي والمشورة لهم، وتزويدهم بالخبرات المعرفية، ومشاركتهم همّ العمل الجهادي الدعوي والعلمي، والعمل على تثبيتهم وإشعارهم بتضامن كل الدعاة معهم، وتقديرهم لجهودهم.
وإذا لم يكن أهل العلم على جاهزية لتقديم ما طلبناه في البند الأول والثاني، فلا أقلَّ من الانتقال إلى البند الثالث والأخير، وهو الحضور الثوري المعنوي، عبر الأنشطة الثورية المختلفة التي ترفدُ الثورة والمجاهدين بالمعونة والدعم المعنوي، وهذا المجال أبوابه واسعة وكثيرة، وهي متيسرة لكل ذي علمٍ يريد خدمة أهله وبلده والمجاهدين.
ومن أمثلة الجهود المعنوية في البند الأخير:

البحث العلمي الفكري، وتقديم العلاج للمشاكل الثورية، عبر تقديم الفتاوى التي يحتاجها المجاهدون وتنقيحها، وإسقاطها على الواقع، والتواصل المكثف مع قادات الفصائل وأهل الشأن في الثورة بغية تقديم المشورة والنصح لهم، كما وتتضمن التواصل مع المسؤولين السياسيين في الدول التي يتواجدون فيها لحثهم على دعم ثورة الشعب السوري وقضيته، كما تتضمن الاهتمام المكثف بالأبحاث والمقالات والمنشورات –بوسائل مكتوبة ومرئية- تعالج قضايا الثورة، وتتصدى لأمراضها من التقاعس أو الانحراف أو الغلو ونحو ذلك.
لكن الخشية على بعض أهل العلم ممن غادر سورية هرباً من بطش النظام، وقلبُه مع الثورة وهو محسوبٌ عليها، أن يتقاعس عن الهمّ الثوري، ويغيب عن المجاهدين، بجسمه، أو حتى بجسمه وفكره، ناسفاً كل جهوده الثورية الماضية، وما تحمله من عناء في خدمة الثورة في بداياتها، لأن خدمة الثورة حيناً لا تشفع للتخلي عنها حيناً آخر، فالجهادُ ماضٍ والمأساة لم تحلّ.
هي دعوةٌ لأهل العلم لوقفةٍ مع الذات، ومساءلة النفس عن ماهية النفع الحالي الذي تناله الثورة منهم، -وأنا هنا لا أتحدّث عن أشخاص بعينهم، ولا عن هيئة أو رابطة أو مجلس بعينه، إنما عن كل حملة العلم الشرعي ممن خرج من البلاد- فإن وجدوا أنهم يقدّمون ويبذلون فهنيئاً لهم، وكلامنا لا يشملهم، بل هؤلاء لهم منا كل احترام، ونرى أنفسنا صغاراً أمامهم، وإن وجدوا أن بينهم وبين المجاهدين والثورة قطيعة رحم، فليصلوا رحِمهم، وليعودوا إلى ثورتهم، فإن الثورة بحاجةٍ ماسّة لشبابها وعلمائها ورجالها.

والحمد لله ربّ العالمين.

 

 

نور سورية

المصادر: