دور الصين العسكري المستجد في سوريا

الكاتب : علي حسين باكير
التاريخ : ٢٩ ٢٠١٥ م

المشاهدات : 4523


 دور الصين العسكري المستجد في سوريا

ذكرت العديد من التقارير مؤخرا أن حاملة الطائرات الصينية (لياونينغ) كانت قد عبرت قناة السويس في 22 سبتمبر الحالي في طريقها إلى سوريا، ووفقا لتقرير حصري نشره موقع «ملف دبكا» الإسرائيلي بتاريخ 26 سبتمبر، فإن حاملة الطائرات الصينية قد رست بالفعل في ميناء طرطوس السوري، وإن التواجد الصيني هناك ليس مؤقتاً على ما يبدو.
استنادا إلى التقرير المذكور، فإن الطائرات الصينية التي من المفترض أن تصل في منتصف شهر نوفمبر القادم ستشمل سربا من مقاتلات (جي-15) «القرش الطائر»، سيتم نشر عدد منها فوق حاملة الطائرات الصينية، فيما سيتم نشر العدد الآخر في القاعدة الجوية الروسية قرب اللاذقية، وطائرات مروحية من نوع (ز-18 أف) المضادة للغواصات بالإضافة إلى مروحيات (ز-18 جي) للإنذار المبكر، كما يشير التقرير نفسه إلى أن التعزيزات العسكرية الصينية في سوريا ستشمل أيضا إرسال الصين ألفا على الأقل من قواتها البحرية لمحاربة تنظيم الدولة إلى جانب القوات الروسية والإيرانية.
في المبدأ تبدو هذه المعطيات العسكرية التي يذكرها التقرير مخالفة للتوجهات التقليدية الراسخة والمتبعة في السياسة الخارجية الصينية، إذ لطالما شددت الصين دوما في سياساتها الخارجية على ثلاثة مبادئ أساسية هي: مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ومبدأ الحرص على حماية الأمن والاستقرار، ومبدأ رفض استخدام القوة في العلاقات الدولية.
ولطالما بررت الصين من يتهمها بالتقصير في تحمل مسؤوليات ذات طابع دولي بأنها جاهزة لتحمل هذا القدر من الأعباء فهي لا تزال دولة نامية، ولديها الكثير من الأولويات الداخلية ولا تتطلع إلى قيادة عالمية.
في المقابل، يجب علينا ألا نستبعد بشكل كلي حصول مثل هذا الأمر خاصة إذا ما أخدنا بعين الاعتبار أن التحولات التي تجري اليوم في العالم بشكل عام وفي منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص بسبب سياسة إدارة الرئيس الأميركي أوباما بشكل أساسي غير عادية وغير مسبوقة على الإطلاق منذ عقود طويلة. التواجد الروسي العسكري في سوريا على سبيل المثال هو الأضخم لموسكو خارج حدود الاتحاد السوفيتي منذ انهيار الأخير قبل أكثر من 25 عاما، كما أن التوسع العسكري والطائفي والاستيطاني الإيراني في المنطقة هو الأوسع على الإطلاق منذ حقبة الدولة الصفوية.
السؤال الذي يطرح نفسه بطبيعة الحال إذا ثبتت صحة المعلومات الواردة في التقرير لاحقا، ما دوافع الصين للتدخل العسكري في سوريا خاصة أننا نعلم جيدا أن مصالح الصين في سوريا تكاد تكون معدومة مقارنة بالمصالح الإيرانية ومن ثم الروسية؟

أما الجواب على هذا السؤال بالتحديد فيمكن في النقطة نفسها، إذ إن مصالح الصين في الملف السوري مرتبطة بشكل غير مباشر بمصالح بكين بكل من موسكو وطهران على وجه الخصوص.
في السنوات الأخيرة تقربت الصين من روسيا بشكل كبير في محاولة منها لموازنة الدور الأميركي في شرق آسيا لاسيما منذ إعلان واشنطن قبل عدة سنوات عن استراتيجيتها في تحول تركيزها الأساسي نحو آسيا (Pivot to Asia)، وقد انعكس ذلك أيضا زيادةً في التنسيق بين بكين وموسكو على مختلف المستويات لاسيما على المستوى السياسي في السياسة الخارجية للبلدين إزاء الأزمات الدولية خاصة تلك المتعلقة بمنطقة الشرق الأوسط وعلى رأسها سوريا.
إذا ما راجعنا سجل المواقف الرسمية للبلدين من الملف السوري سواء في مجلس الأمن أو في الجمعية العامة للأمم المتحدة أو في مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة فسنجد أنها متطابقة، إذ حيثما تصوت موسكو بالفيتو تفعل بكين الأمر نفسه، وحيثما ترفض موسكو قرارات الجمعية العامة تفعل بكين الأمر نفسه، وكذلك عندما تدعم روسيا مهمة المبعوث الأمم أو تقوم بإرسال موفد خاص لها إلى سوريا، تفعل بكين تقريبا الأمر نفسه.
إذا كان الخوف من سقوط الأسد من بين الدوافع الروسية الأساسية في التحرك عسكريا في سوريا، فلا بد أن الشيء نفسه سيثير قلق الصينيين أيضا، ذلك لأنهم يعلمون تماما أن انهيار هذا النظام يعد ضربة لإيران التي ترتبط الصين معها بمصالح ضخمة جدا (قطاع الطاقة، البنى التحتية، الملف النووي، التجارة البينية، التنسيق السياسي والعسكري).
بالإضافة إلى ذلك، يجب علينا ألا نتفاجأ أبداً في حال عزم الصينيون بالفعل على دعم التوجه الروسي- الإيراني في سوريا بما يصب في المحصلة في توسيع دائرة دور ونفوذ الصين الجيوبوليتيكي في الشرق الأوسط، خاصة أن ذلك لا يتناقض أبداً بل ينسجم تماما كما سبق وذكرنا مع مفاعيل الاتفاق النووي الإيراني الذي يعطي بالتحديد هذه البلدان الثلاثة (الصين وروسيا وإيران) دورا ونفوذا جيوبوليتيكيا أكبر في الشرق الأوسط وبمباركة من الإدارة الأميركية التي تعمل بشكل واضح على تخفيف تواجدها العسكري المباشر في المنطقة منذ سنوات.
أما تبرير الصين لمثل هذه الخطوة إن حصلت، فستعتمد بالتأكيد على العنصر الحاضر والجاهز دوما في المعادلة لدى كل اللاعبين وهو عنصر «محاربة داعش»، وذلك على اعتبار أن مثل هذا التبرير لن يواجه انتقادا من أحد، كما أنه من المفترض أنه يعمل على تجاوز التناقضات بين الدول الكبرى التي تدير اللعبة في سوريا وفي مقدمتها واشنطن وموسكو وطهران وبكين.

 

 

 

العرب القطرية

 

المصادر: